ظلت هانا تحدق في الرجل، وقد انكمش جسدها دون وعي وهي تراقبه بحذر، عندما انشق الجدار مرة أخرى ودخل ثلاثة رجال آخرون.
في البداية، ظنت أنها ترى الشخص نفسه يتكرر أمامها، لكن مع اقترابهم بدأت تميز الفروق بينهم. تشابهوا في القامة الطويلة، والبشرة البيضاء الناصعة، والشعر الفضي الذي يلتقط الضوء كبريق المعدن المصقول. ومع ذلك، ظل هو الأطول والأضخم والأكثر حضورًا. لم يكن بحاجة إلى الكلام لتعرف أن الآخرين يتبعونه.
أما أعينهم، فكانت الشيء الوحيد الذي اختلف بينهم. أحدهم كانت عيناه بلون الجليد، والثاني بلون أخضر عميق، بينما مالت عينا الثالث إلى البنفسجي الداكن. لكن ذلك البؤبؤ الرأسي الضيق ظل حاضرًا في وجوههم جميعًا.
انقبض صدرها.
"يا إلهي..."
إذًا لم يكن استثناءً.
هؤلاء جميعًا...
ليسوا بشرًا.
تراجعت خطوة حتى اصطدمت ساقاها بحافة السرير، بينما راح الرجال يتبادلون الحديث بلغتهم بسرعة. لم تستطع تمييز كلمة واحدة، لكن المدهش أن أصواتهم لم تحمل نبرة عدائية أو غضبًا. بل على العكس... بدوا مأخوذين بوجودها، كأنها هي الحدث الأهم في الغرفة.
حاولت عبثًا التقاط أي كلمة مألوفة، أي صوت يشبه الإنجليزية أو إحدى اللغات التي تعرفها، لكن ما سمعته كان مختلفًا تمامًا؛ لغة تتداخل فيها النبرات الناعمة مع أصوات حادة، تنساب بإيقاع موسيقي غريب حتى كادت تبدو كأنها لحن أكثر من كونها حديثًا.
رفع الرجل ذو العينين الذهبيتين يده قليلًا، وفي اللحظة نفسها ساد الصمت.
لم يرفع صوته، ولم يحتج إلى تكرار أمره. اكتفى بجملة قصيرة، فأومأ الثلاثة معًا وكأنهم تلقوا تعليمات واضحة.
راقبت ما يحدث، ووجدت نفسها تصل إلى استنتاج واحد دون أن تعرف لماذا.
"إنه قائدهم."
لم يكن الأكثر كلامًا، ولا الأعلى صوتًا، بل كان الأكثر هدوءًا...
والأكثر سلطة.
تقدم أحد الرجال نحوها بخطوات بطيئة، رافعًا كفيه أمامه في حركة بدت محاولة لطمأنتها بأنه لا ينوي إيذاءها.
لكن جسدها لم يقتنع.
هزت رأسها وتراجعت حتى لامس ظهرها الجدار.
"لا..."
خرجت الكلمة همسًا مرتجفًا.
نظر إليها الرجل لحظة دون أن يبدو أنه فهمها، ثم أشار إلى أذنها وأخرج من جيبه علبة معدنية صغيرة. فتحها أمامها، فظهر بداخلها جسم دقيق لا يتجاوز حجم حبة العدس.
تجمدت.
"لا... مستحيل."
آخر ما تحتاج إليه الآن هو أن يزرع هؤلاء شيئًا مجهولًا داخل جسدها.
لم يكن لديها مفر.
راقبت الرجل ذا العينين الذهبيتين، متوقعة أن يأمرهم بالإمساك بها، لكنه اكتفى بقول كلمة واحدة لأحد معاونيه.
وعلى غير ما توقعت، لم يتحرك أحد نحوها. بقوا في أماكنهم، ينتظرون.
هل يتركون القرار لها؟
راحت تحسب خياراتها بسرعة. ماذا لو قاومت؟ ماذا يمكنها أن تفعل أمام أربعة رجال يزيد طول أقصرهم على مترين؟ لم يكن معها سلاح، ولا بدلة فضاء، ولا أدنى فكرة عن المكان الذي وجدت نفسها فيه.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم أغمضت عينيها لثانية وهي تزفر ببطء.
"حسنًا يا هانا... لو أرادوا قتلك، لفعلوا ذلك وأنتِ فاقدة للوعي."
وعندما فتحتهما مجددًا، رفعت ذقنها بإصرار وأومأت إيماءة صغيرة.
اقترب المعاون بحذر شديد، كما لو كان يحرص على ألا يزيد خوفها، ووضع القطعة الصغيرة خلف أذنها. شعرت بوخزة خفيفة، أعقبها دفء أخذ ينتشر داخل رأسها حتى بلغ مؤخرة رقبتها. سمعت طنينًا إلكترونيًا خافتًا، أعقبه صمت قصير.
ثم تحدث الرجل ذو العينين الذهبيتين مرة أخرى.
الصوت نفسه.
واللغة الغريبة نفسها.
لكن هذه المرة... فهمتها.
"هل تسمعينني الآن؟"
اتسعت عيناها، وظلت تحدق فيه غير مصدقة، بينما راقب رد فعلها لثوانٍ قبل أن يقول بهدوء:
"جيد... يبدو أن المترجم يعمل كما ينبغي."
لم تستطع الرد. مال برأسه إمالة خفيفة قبل أن يقول بصوته العميق الواثق:
"مرحبًا بكِ... أنتِ الآن في مدار كوكب لونور."
"لونور؟"
خرج الاسم من بين شفتيها همسًا، وكأنها تخشى أن يصبح حقيقة بمجرد أن تنطقه.
ظلت تحدق في الرجل الواقف أمامها، أو بالأحرى في ذلك الكائن الغريب الذي بدا هادئًا بصورة تستفز الأعصاب. لم يكن في وجهه أي أثر للدهشة أو التوتر، بينما كانت هي تشعر أن عالمها كله ينهار فوق رأسها.
لونور...
لم تسمع بهذا الاسم في حياتها، رغم السنوات التي أمضتها في دراسة الخرائط النجمية والأنظمة الشمسية والكواكب التي رصدها البشر، وحتى الأجرام التي لم يصلوا إليها بعد. لم يكن هناك أي سجل، ولا حتى إشارة عابرة، إلى كوكب يحمل هذا الاسم.
إذن...
ذلك الصدع الأسود الذي مزق الفضاء أمامها لم يكن مجرد ظاهرة مجهولة، بل بوابة ألقتها في جزء من الكون لم تعرفه البشرية قط.
انقبضت معدتها بقوة حتى شعرت بالغثيان.
إذا كان ما يقوله صحيحًا... فكيف ستعود؟ وهل ما زالت الأرض على البعد نفسه، أم أنها أصبحت في مكان يستحيل الوصول إليه؟ والأسوأ من ذلك كله... ماذا عن جايسون؟
آخر ما تتذكره هو صوته يخرج من سماعة الاتصال داخل خوذتها، وهو يصرخ باسمها، يحاول أن يوجهها بينما كانت تنجرف بلا سيطرة نحو ذلك الشق المظلم... هل ابتلع الصدع المركبة أيضًا؟
تلاحقت الأسئلة داخل رأسها حتى شعرت أنها ستختنق بها، لكنها لم تستطع أن تختار أيها تسأل أولًا.
سبقها هو.
"ما اسمكِ؟"
رمشت بدهشة.
من بين كل ما يحدث... هذا أول ما يريد معرفته؟
ابتلعت ريقها.
"هـ... هانا."
ردد الاسم ببطء، وكأنه يختبر حروفه على لسانه.
"هانا."
كان نطقه مختلفًا قليلًا، لكنه قريب بصورة أدهشتها. ثم رفع عينيه إليها مجددًا، واستقرت نظرته عليها في صمت طويل جعلها تشعر بعدم الارتياح.
لم تستطع قراءة شيء في ملامحه.
كان هادئًا بصورة مستفزة، وكأنه اعتاد مواجهة المواقف المستحيلة، بينما كانت هي بالكاد تمنع نفسها من الانهيار.
أخذت نفسًا عميقًا، وأجبرت نفسها على التركيز.
"أين أنا؟ ولماذا أحضرتموني إلى هنا؟"
ظل ينظر إليها لثوانٍ قبل أن يجيب بالنبرة الهادئة نفسها:
"لأننا أنقذناكِ."
انعقد حاجباها.
"أنقذتموني؟"
أومأ إيماءة خفيفة.
"كنتِ داخل الصدع عندما بدأت مركبتكِ تنهار. لو تأخرنا دقائق معدودة، لما بقي منكِ شيء."
قالها كما لو كان يذكر حقيقة لا تحتاج إلى نقاش.
تشبثت بالسؤال الوحيد الذي كان يطاردها منذ أن فتحت عينيها.
"وجايسون، زميلي؟"
خرج الاسم بصوت مرتجف.
"كان في المركبة التي كانت خلفي... هل وجدتموه؟"
للمرة الأولى، لمحت تغيرًا طفيفًا في عينيه.
لم يدم سوى لحظة، ثم عاد ذلك السكون الغريب إلى ملامحه.
"لم نعثر إلا عليكِ."
شعرت بشيء يهبط داخل صدرها.
لم يقل إن جايسون مات، ولم يقل إنه نجا.
تركها معلقة بين الاحتمالين، وكأن الفراغ نفسه ابتلع الإجابة.
هزت رأسها ببطء، رافضة أن تصدق.
"لا... مستحيل."
همست بالكلمات أكثر مما نطقتها.
"كان يتحدث معي قبل ثوانٍ فقط، قبل أن... أن... لا يمكن أن يختفي هكذا."
لم يحاول مواساتها أو تقديم وعد كاذب؛ ظل صامتًا، وكان صمته أشد قسوة من أي خبر سيئ. أغمضت عينيها للحظة، ثم رفعت رأسها فجأة، وكأنها تمسكت بآخر خيط من الأمل.
"أريد العودة إلى الأرض."
ثبتت عيناه الذهبيتان عليها للحظات قبل أن يقول:
"للأسف... هذا غير ممكن في الوقت الحالي."
اشتعل الغضب داخلها.
"ولماذا ليس ممكنًا؟"
أجابها بالنبرة الواثقة نفسها التي بدأت تثير أعصابها.
"لأننا لم نعد بالقرب من مجرتكم."
تجمدت في مكانها، فأكمل:
"نحن في طريقنا إلى لونور."
اتسعت عيناها.
"إذن أوقفوا السفينة! أعيدوني إلى المكان الذي وجدتموني فيه!"
نظر إليها طويلًا، ثم قال بصوت منخفض وحاسم:
"ذلك القرار لم يعد مطروحًا."
شعرت بقشعريرة باردة تزحف على طول ظهرها.
حدقت فيه غير مصدقة.
"أنت تحتجزني؟"
لم يجبها مباشرة.
"في الوقت الحالي... ستبقين معنا."
قالها دون قسوة، لكن وقعها عليها كان كحكم نهائي لا يقبل الاستئناف.
ولأول مرة منذ استيقظت، أدركت أن خوفها لم يعد من المكان المجهول... بل من الحقيقة التي بدأت تتشكل أمامها ببطء.
ربما...
لن تعود إلى الأرض أبدًا.